موجز (معركة المسلمين في التاريخ)

مقتطف من كتاب (سير في سيرة):

وهو كتاب ألفه شيخنا وطبع الطبعة الأولى عام 1382هـ في المطبعة الشرقية في البحرين، وهو سفر نفيس سرعان ما نفذت الكمية المطبوعة منه، فطبع منه الطبعة الثانية، وسبب تأليف هذا الكتاب  مقال في صحيفة (لواء الإسلام) كرس فيه صاحبه الوقيعة والسباب للإمام الصادق (ع)، وكتاب آخر تحت عنوان (أبو سفيان شيخ الأمويين)، حيث كال مؤلفه السب والوقيعة في الخلفاء الراشدين وفي طليعتهم علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فألف سماحة الشيخ ذلك الكتاب محاربة منه لكل من تسول له نفسه أن يفرق كلمة المسلمين ويلقح الفتنة في صفوفهم، وقد طبع هذا الكتاب في تلك الفترة وانتشر في البحرين وخارجها، وينقل أن أحد العلماء في الخارج امتدح هذا الكتاب للشيخ وهو لا يعلم أن الذي أمامه هو المؤلف، ويذكر أن الشيخ عندما طبع الكتاب كان لا يملك ثمن الطباعة، وما زالت المطبعة تلاحقه بالإشعارات المطالبة بالتكلفة والتي تقدر بقيمة 4500 روبية، ولكن شيخنا وكل الأمر إلى من كتب الكتاب دفاعاً عنه وهو الإمام الصادق (ع)، فذات مرة أهدى نسخة من الكتاب لأحد المؤمنين، وما هي إلا بضعة أيام وإذا بالباب تطرق، ففتح الشيخ الباب وإذا بذلك الرجل مهدياً شيخنا نفس المبلغ دون زيادة أو نقصان، فشكره الشيخ وذهب مسرعاً للمطبعة كي يسدد ما عليه من ديون، }ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب[1].

 

          ويبتدئ شيخنا كتابه بمحاورة مختلقة بين مسلم ينتمي إلى المذهب الحنفي وبين الكاتب الذي ينتمي للمذهب الجعفري ، وتتلخص هذه المحاورة في أن المسلم السني يطرح إشكالاً على الشيعي وهو أنه يريد النقاش اعتماداً على العقل لا النقل لأن الأخذ بالكتاب والسنة فيه ما فيه، لوجود الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمبين والعام والخاص .. ولما في السنة من أخذ ورد وتناقض وتضادد وصحيح وسقيم وصدق وكذب .. والشيعي يطرح الرد بقوله إن الحل للخروج من هذا المأزق هو الرجوع إلى من أهله الله لفهم الكتاب والسنة وهم عترة النبي (ص) الذين أوصى عليهم الرسول (ص) في قوله: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً) وهو حديث يرويه السنة والشيعة، إذن هناك اتفاق ووحدة بين المسلمين لاتفاق المصدر والمنبع، ولكن هناك بعض الدخلاء يسعون جاهدين لتفريق كلمة المسلمين كابن حزم وأحمد أمين والحفناوي والجبهان .. ثم يدخل المؤلف في فصول ذلك الكتاب ..

 

وكان أول فصل يورده المؤلف تحت عنوان (المعارك قبل الإسلام) وبين من خلال هذا الفصل أن الخلافات في العصور المظلمة كانت تنشب لقضايا زائفة وأسباب تافهة، وأورد على ذلك بعض الشواهد التاريخية التي سجلها التاريخ في طياته كيوم الضبيعات ويوم أوارة الأول والثاني ويوم حسا وقضايا الوئد للبنات وما فعله ملوك الجاهلية وسلاطينهم كطسم وجديس وعميلق، إلى أن جاء رسول الهداية محمد (ص) فأنقذهم من الضلالة والردى، وألف بين قلوبهم، وجمع شملهم، وجاء أناس هذه الأيام يريدون أن يشتتوا شمل المسلمين كتلك الزمرة المفرقة.

 

ثم ينتقل للفصل الذي يليه وهو (كيف بدأت المعارك بين المسلمين؟) وأشار فيه إلى أن بعثة النبي (ص) ودعوته الحقة وأهدافه السامية لم ترق لبعض قرون الشيطان فضاقت نفوسهم وأرادوا أن يتغلبوا على الدعوة الإسلامية في مهدها.. منهم أبو سفيان، الذي شهر السيف على شخص الرسالة المتمثل في ذات الرسول الطاهرة، وموقفه واضح من الخليفة الأول أبو بكر.. لكنه عاد بالفشل في كلا المحاولتين، حتى جاء معاوية خلفاً لوالده فكان منه التبذير في الأموال والجبروت في النفس في عهد الخليفة الثاني عمر الذي كان حريصاً على محاسبته ومحاسبة عماله، فجاء الخليفة الثالث فآثر صلة الرحم على القطيعة، فآوى من طرده رسول الله (ص) والخلفاء من بعده، ثم جاء الخليفة الرابع أمير المؤمنين علي (ع)، وهنا صار التدخل الأموي برفع قميص عثمان حجة لهم، وخصوصاً أن قدم معاوية أصبحت ثابتة مدة طويلة في السلطة وعلى مكان واحد، إلى أن تمكن الأمويون من السلطة فأخذوا يسبون علياً على المنابر ويشوهون البيت العلوي ويلصقون لأنفسهم الكرامات والأحاديث الموضوعة، واستشهد المؤلف في كتابه بنماذج من تلك الروايات الموضوعة وخللها بالردود التهكمية الساخرة المستسذجة لعقول واضعيها، كما تناول جوانب أخرى في هذا الفصل لا داعي لذكرها بغية الاختصار.

 

ثم يأتي الباب الثالث (من هنا تبدأ معركة الخلاف) وأشار فيه إلى أن مخلفات العهد المنقرض ما زالت تلقي صبغة على التأليف والنشر في عصرنا المتنور بالعلم والمعرفة، وحيث أن علم الحديث والسنة هو من أهم العلوم فقد وقع فيه الكذب والتحريف بصورة واضحة صريحة حتى عده بعضهم حسنة لا تسقط العدالة، واستشهد المؤلف ببعض الأدلة الثابتة لدى الجميع وببعض الشخصيات التي كانت تكذب على الرسالة، ذاكراً المصادر التي اعتمد عليها، ثم انتهى إلى القول بأن علياً هو أول من دون الحديث وأول من كتب صحيفة الأحكام والسنن مثبتاً ذلك من كتب العامة، ومسلم على أن علياً صادق في قوله، وهو الذي لازال ملازماً لرسول الله (ص) فالأخذ منه يعني الأخذ من رسول الله (ص).

 

ثم يأتي الفصل الرابع وهو (السنن الثلاث) ويعني بها سنة الله وسنة العقل وسنة الشيطان، وأفرد المؤلف لكل سنة باباً خاصاً فأما سنة الله فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلا تبديل فيها ولا تحويل، ولذلك أرسل النبي (ص) أميناً على الرسالة وأسعفه بعض الصحابة الراشدين وفي طليعتهم أمير المؤمنين (ع)، وهنا تبدأ معركة الخلاف بين الحق والباطل، أما سنة العقل فلا يصح الأخذ بها على نحو الاستقلال بل على نحو التبعية وأما الثالثة سنة الشيطان وهي سنة الهدم والتخريب، وسنة الظلم والغدر وسنة البغي والعدوان، وهي سنة لها أعوانها وجنودها، فأولهم شيخ الأمويين أبو سفيان، وتبعته قافلة المنحرفين من أعداء الدين.

 

ثم يأتي الباب الذي يليه وهو (حديثنا قبل المعركة)، وفيه يشير المؤلف إلى أن العصر الجاهلي كانت تبرز فيه الشخصيات بثلاث صفات: مظهر الشجاعة، مظهر الأدب، ومظهر السخاء، فكانت تلك المظاهر بقصد الظهور والتفوق والمديح، ولما جاء الاسلام أصبح التفوق للمحدثين والرواة والوعاظ، واشتهر بذلك أفراد من الصحابة، ثم ذهب دور الرواة وجاء دور العلماء ولهم سلطة القضاء والتنفيذ، ثم طرأ التغيير وإذا بالسلاطين يدعون الخلافة الدينية ويلقبون بأمراء المؤمنين، مع أن الدين لا يرى لهم صلاحية المؤمن فكيف بهم أمراء المؤمنين عامة، ولذلك فقد ثارت ثائرة العلماء العلويين من آل رسول الله (ص) وشاركهم في ثورتهم شعراء ذلك العصر، فكانت وطأة الأمراء قاسية على البيت الهاشمي وعلى من تابعهم، وأخذت تشتد من أيام معاوية حتى أواخر دولة الأمويين، وانتقلت بعد ذلك الإمارة إلى العباسيين فكانوا أقسى وأصلب بينما يرى البيت الهاشمي أن الخلافة حق من حقوقه المغتصبة.

 

أما الباب التالي فهو (معركة الانقلاب أو الانتخاب) إشارة إلى قوله تعــالى: }أفإن مات أو قتل انقلبتم إلى أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا{[2]، وقال: بأن معنى الانقلاب في هذه الآية هو الارتداد من الحق إلى الباطل، ومن الاسلام إلى الكفر، وقد اختلف المفسرون في تطبيق هذه الآية وأكد المؤلف أنها تتعلق بمخالفة أمر رسول الله (ص) بعد أن فارق هذه الدنيا، مفندا الآراء الأخرى.

 

ثم يأتي فصل (الخلاف يوم الاستخلاف)، وأوضح بأن الخلافة هي أهم منصب بعد النبوة وهي ليست سيطرة وملك، وقد ظهرت بعد وفاة رسول الله (ص) فرقتان: فرقة اشتغلوا بالخلافة، وفرقة اشتغلوا بتجهيز أعظم شخصية أنقذتهم من العدم إلى أعلى مراتب الوجود، وقد وجه المؤلف كلمة اللوم والعتاب إلى الفرقة الأولى من كتب بعض المؤرخين السنة، ثم تبع هذا الفصل الأبواب التالية: (الخلافة الإسلامية) (الخلافة الدينية) (المسلمون والخلافة)، وأوضح المؤلف في هذه البحوث أهمية الخلافة الإسلامية وأنها الثانية بعد الرسالة، فإن الرسالة قامت بالتشريع والوحي، والخلافة قامت بالتبليغ والبيان وتفصيل المجمل وحل المشكل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها والقتال على التأويل، كما أن الرسالة قاتلت على التنزيل، وقد سلط سماحته الضوء على الآراء التي طرحت لتعيين الشخص اللائق بعد منصب الرسالة وصفاته من كتب إخواننا السنة، مناقشا موضوع العصمة وأهم صفات خليفة النبي (ص) وموقف المسلمين منه ومن الخلافة.

 

ثم تترادف الأبواب بعد ذلك لتكشف حقيقة الحفناوي كنبي جديد لم يتلق التعليم من أحد، هذا مع تناقضاته العجيبة وأفكاره الغريبة، وكأنه عميل من عملاء البلاط الأموي البائد، ممن نصروهم بألسنتهم واختلقوا الأكاذيب على الرسالة إرضاء لشيخهم معاوية ومن شاكله، واستخدموا حرفة العاجزين وهي السب والكيل من الرسالة ومن الرسول (ص) وآل الرسول، خاتما المؤلف كتابه بباقة من أشعار أهل العقيدة والمبدأ.

 

ويلاحظ القارئ للكتاب عدة سمات للمؤلف والكتاب أوردها فيما يلي:

 

·      أكثر ما يلاحظه القارئ في الكتاب هو احترام مؤلفه لكثير من الشخصيات والفرق الاسلامية بمختلف أطيافها، وقد صاغ المؤلف الكتاب بأسلوب يستهويه المخالف والمؤالف، فهو يحترم مشاعر الجميع مع سهولة إيصال الرسالة المراد قولها.

 

·      كما يتضح جلياً وخصوصا من المقدمة الفاخرة للكتاب سعة أفق المؤلف وخياله الرحب بحيث استطاع أن يصور حديثاً أقرب للواقع لما طرحه من اشكاليات تعتري القارئ وهو ينتقل من سطر لآخر، فيجدها مدونة أمامه ومردود عليها بحجة قوية لا محيص عنها، كما يلاحظ القارئ الفطن استخدام العبارات المتينة الدالة على المقصد والمراد بشكل دقيق.

 

·      اطلاع المؤلف على حوادث التاريخ، وسبره لأغواره وبراعته في تحليل مضامينه، وهذا أمر إن دل على شيء فإنما يدل على الإطلاع الواعي في هذا المجال، والإدراك الحصيف في فنون هذا المقال.

 

·      اطلاع المؤلف على كتب العامة فضلاً عن كتب الشيعة كما يظهر اطلاعه على فتاوى علماء المسلمين والتفاسير المختلفة.

 

·      البساطة في الأسلوب والتراكيب اللغوية السلسة البعيدة عن التعقيد.

 

·       القدرة على سبك قصص خيالية، واستخدام أسلوب الاستشهاد القصصي.

 

·      استخدام  أسلوب الاستطراد كلما دعت إليه الحاجة.

 

·      حرص المؤلف على الدفاع عن مذهب أهل البيت (ع) بكل ما أوتي من حول وقوة.

 

·      قوة حججه النقلية والعقلية في تفنيد الآراء غير الصحيحة.

 

·      الترابط بين أفكار الكتاب، والترابط بين المعلومات والأمور، رغم تنوع المادة العلمية والأدبية في الكتاب.

 

اطلاع المؤلف في مجال الشعر ومعرفته الحسنة بسير الشعراء.


 

[1]  سورة الطلاق الآية 2-3

 

[2]  سورة آل عمران الآية 144

 

 

 

محرك بحث الموقع


الأحد 9 جمادى الآخرة 1439هـ - 25 فبراير 2018م
فجر 4:46
شروق 6:05
ظهر 11:53
مغرب 5:51
 


Designed by:
Y.Tarradah