لقاء نشرة الهدى
سماحة العلامة الشيخ أحمد بن خلف آل عصفور | 2006-07-14

عميد المنبر الحسيني .. في حديث خاص لــ (الهدى):
دخلت مجال الخطابة الحسينية بعد أن درستها وتتبعت أساتذتها

بعد 65 عاما في خدمة المنبر الحسيني .. الشيخ أحمد آل عصفور يحكي بعض ذكرياته

تتشرف مجلة الهدى في عددها المتميز باستضافة الخطيب الحسيني الشهير، إمام الجمعة في جامع عالي، مستشار المجلس الأعلى للقضاء، سماحة العلامة الميرزا الشيخ أحمد بن خلف آل عصفور، حيث كان فريق التحرير بالمجلة في زيارة خاصة بسماحته ليلة الأحد الموافق 5/2/2005م في منزله العامر في بوري:

الهدى: سماحة الشيخ نود أن تعطونا نبذة مختصرة عن سيرتكم الذاتية.
كانت ولادتي سنة 1345هـ في قرية (دار كليب)، ووالدتي سيدة تنتمي إلى عائلة (الكامل) من جدحفص، ووالدي الشيخ خلف آل عصفور الذي عاد من بو شهر لموطن أجداده البحرين لإقامة الجمعة فيها، فجاء وسكن المنامة وأقام الجمعة في (راس رمان)، ثم صحبته لما أقصي إلى العراق وسكنت مع والدتي أيضا وتعلمت في المدرسة الأهلية، ولما توفي الوالد عدت للبحرين ودرست فيها، ثم سافرت مرة ثانية مع العلامة الشيخ إبراهيم المبارك وسكنت معه في غرفة واحدة صغيرة جدا بالمدرسة الخليلية، ثم عدت للبحرين، وفي عام 1366هـ سافرت مع العائلة لأشق طريقي في الدراسة، وكان أول أساتذتي الخطيب الشهير الشيخ عبد الوهاب الكاشي، وكانت الحوزة تدفع للطالب قطعة من الخشب بدلا من المال، يقوم بتسليمها للخباز (مثلا) ليتسلم منه نصيبه من الخبز ليضع الخباز علامة على تلك الخشبة، وكانت حياتنا صعبة عانينا فيها الكثير.



الهدى: كيف كانت بدايتكم في الخطابة الحسينية؟
بدأت صلتي بالمجالس الحسينية من خلال قراءة الحديث فيها، لأني أحب كل ما يحبه أهل البيت ، لأن الإمام الصادق يقول: إني لأحب تلك المجالس، أي المجالس التي تذكر فيها واقعة الطف، ولما حصلت من التشجيع لمزاولة الخطابة من خلال بعض الخطباء كالخطيب الملا عبد العزيز العالي تتبعت مجالس الحسين ودرست فنون هذا المقام، ففي البحرين تتلمذت على يد الخطيب الشهير الشيخ محمد علي آل حميدان وكذلك السيد منصور الاحسائي والسيد علي آل سلمان، وحضرت مجالس الملا أحمد بن رمل وغيره من الخطياء الوافدين للبحرين، وفي النجف الأشرف حضرت مجالس المشهورين الذين عشت معهم كاليعقوبي وابن جلو وابن جسام والبديري وزميلنا في الدراسة السيد جابر الآغائي، وقد كنت أحضر مجالسهم للأخذ عنهم، وتعرفت على كثير من الخطباء وكونت الصلات معهم، ودعوت بعضهم للبحرين كالشيخ أحمد الوائلي في مأتم بن سلوم، وأنتقيت منهم ما استحسنت، وحفظت القصائد من الخطباء مباشرة لتمتعي بذاكرة جيدة، وكنت أتتبع قضية المخارج من الموضوعات للدخول في المصيبة، وهذا الأمر يتطلب اللجوء إلى الله سبحانه للتوفيق فيه، وقد وفقني الله سبحانه وقرأت في البصرة والفاو في شط العرب وقرأت في خوزستان سنين عديدة ومناطق أخرى في إيران يحضرها العرب من دول الخليج، وقد زاولت ذلك 30 عاما أتجول بين إيران والعراق.




الهدى: كيف تنظرون إلى المنبر في الماضي والحاضر؟
يقول أحد شعراء القطيف:
إنما المنبر الجواد وراقيه هزبر والمحــدقون أســـود
مدركوه أن أدركته أناة مدرك إن بدا لهم منه صيد
وفي التاريخ العربي لما وجدوا في الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ضعفا وهو الخليفة الذي عرف بفصاحته، سألوه فقال: أضعفني المنبر والثغور.
وتكمن الصعوبة في أن الحضور لهذا المجلس أو ذاك يحوي من المستمعة مختلف المستويات الثقافية والعلمية، وعلى الخطيب أن تكون لديه المقدمات العلمية التي يستطيع بواسطتها الوقوف أمام هؤلاء، وأتذكر كلمة للإمام محمد الحسين كاشف الغطاء قالها للخطيب الشهير السيد جواد شبر: إذا صعدت على المنبر امسحني من الساحة، يعني لا تعتبرني موجودا في المجلس.

الهدى: خدمتكم الطويلة في المنبر الحسيني جعلت في ذاكرتكم مواقف لا تنسى.. أذكر لنا بعضها.
على صعيد التفاعل الذي يحدث بيني وبين المستمعة في بعض مناطق البحرين، شاهدت تفاعل المستمعة بشدة وهم ينصرعون معي في القصيد دون المصيبة، فأخشى عليهم كما أخشى على نفسي منهم، فتعرضت مرارا لا سيما في (المحرق) بالضرب بالعصي والنعل والمسابيح وكانوا يزجون ذلك علي عندما يفقدون وعيهم، وكذلك الحال في مأتم الاحسائيين حدث لي كثيرا، وفي مأتم مدن مرتين فقط، وتعرضت لذلك في (دار كليب) وفي (جدحفص)، الأمر الذي حدى بمجموعة من مسئولي المأتم أن يقفوا على باب المأتم ليأخذوا من أيدهم كل ما يحتمل زجه علي، ولا أنسى صراخهم علي (إن قتلته قتلناك) أي إن قتلت الشهيد قتلناك تبعا له، ولو أردت أن أعيد هذه الظاهرة لاستطعت تأليبهم بالصلة بأهل البيت .
أما على صعيد أسرار المنبر فهي كثيرة جدا منها: ذات مرة تعاقدت مع مأتم في الفاو وكان معي خطيب توفي شهيدا في العراق ويسمى السيد رحيم الشوكي يقرأ معي كصانع، ولما أنهيت مجالسي أخذني رئيس المأتم مع بعض الرجالات وأروني البساتين الموقوفة للمأتم وكيف أنها لم تثمر شيئا، واعتذروا عن تسليم الأجر الآن، وأرجؤوها بعد الأربعين، فقلت لهم: (إن الحسين ليس لكم وحدكم، وهو لي أيضا كما هو لكم)، ثم انصرفت عنهم وأنا أفكر في حال سيد رحيم الذي يفترض أن يستلم 25 دينارا وأنا أستلم 100 دينارا، ولم أكن أفكر في نفسي بل أفكر في شأنه وهو في أمس الحاجة لهذه الأجرة، فبينما أنا متجه إلى القطار نحو النجف في آخر اللحظات، وإذا بشخص من بيت الحبيب يناديني وطلب مني أن أقرأ مجلسين، فاعتقدت بأن أهل البيت عليهم السلام أرادوا أن لا يخرجوني من هذه الأرض إلا إذا تسلمت أجرتي وأجرة ذلك السيد، حيث سلموني ضعف أجرتي تلك.

كيف ترى علاقة الشباب بالمجالس الحسينية في الماضي والحاضر؟
في الماضي كان الشباب يجتمع حول الخطيب بعنوان (الحفدة) وهم الذين يتولون مساعدة الخطيب في التفاعل مع القصيد، وكنت أحد هؤلاء الحفدة عند الشيخ محمد علي آل حميدان، والشباب هو العنصر المهم في ما مضى وكذلك اليوم، ولكن الذي أراه اختلاف مستواهم العلمي اليوم عنه بالأمس، وذلك لتعدد مصادر المعرفة خلال أيامنا هذه، وشاهدت حضروهم في كل الفترات التي زاولت فيها الخطابة إلا في بعض الأيام التي مرت عليها ظروف معينة، لذلك فقدت بعض المجالس في بعض الأدوار الطابع الديني ولكن ولله الحمد ذهبت كالريح التي مرت ولا ضرت، لأن منبر أهل البيت وضع لإحياء أمرهم عليهم السلام، على أن يلقى على أعوادهم ما كان لله فيه رضا، وللأمة فيه خير وصلاح، كما قال إمامنا السجاد عليه السلام.


الهدى: من خلال خبرتكم الطويلة في مجال الخطابة في البحرين أي المواضيع أو الأساليب التي يستهويها أهل البحرين؟
منبر الحسين متنوع، وكل ورد له رائحة، وكل خطيب من الخطباء له أسلوبه الخاص، فبعضهم يعتمد الأسلوب التاريخي كاليعقوبي، وآخر يعتمد جانب المواعظ كالتستري الذي نعتمد بعض أساليبه، ولكنني أرى بأن منابر البحرين تستسيغ القصة في قضية الحسين، كالقصة في القرآن، وذلك لتأثيرها على المستمعة، وفيها ميزة جلية وهي أنها سهلة الحفظ والنقل.

ما هي المواصفات التي ينبغي أن يتصف بها خطيب المنبر الحسيني؟
الموصفات التي يجب أن يتصف بها الخطيب أولا: الإخلاص والتقوى، لأن النية هي قوام الأعمال، بأن تكون نيته التضحية في سبيل أهل البيت ، رغبة في رضاهم، لا طمعا في الماديات، وقد قال رسول الله لاحسان بن ثابت: ما زلت مؤيدا بروح القدس ما دمت معنا.. ثم تأتي ثانيا: المواصفات الأخرى وهي ثلاثة عناصر: الحفظ والحس والحظ.

ما هو السر في بقاء الدمعة الحسينية إلى يومنا هذا؟
إن للبكاء من خشية الله والبكاء على سبط رسول الله لهما بالغ الأثر في الدنيا والآخرة، ففي قضية البكاء على الحسين نشر للمظلومية واستمرارها، فهو أسلوب ناجح وناجع، ولذلك عورضت الدمعة منذ أيامها الأولى عندما ذرفت على رسول الله ، ومع ذلك استمرت طيلة هذه الفترة وذلك لأنها متصلة بالعقيدة والدين، فمنذ أول يوم نزل فيه جبرئيل مع قبيل من الملائكة عند ولادة الإمام الحسين ورآهم رسول الله وهم يبكون، وبكاؤهم هذا عبادة، فبكى رسول الله أيضا، واستمر البكاء وسوف يستمر إن شاء الله، فما بناه الدين لا تهدمه الدنيا، وفي الزيارة (السلام على صريع الدمعة الساكبة والمصيبة الراتبة) فالدمعة مقرونة ببقاء المصيبة والمظلومية.

في الختام نود أن نختم لقاءنا بخاطرة مختصرة تستعيدون فيها الذكريات حول المرحوم العلامة الشيخ سليمان المدني.
توثقت صلتي بالشيخ المدني عندما التحق بنا في النجف الأشرف في الآونة الأخيرة من دراستي، وكانت دراسته تختلف عن دراستي الحوزوية، إلا أنني كنت أصحبه مع جملة الطلاب، ويرأسنا العلامة الكبير السيد ناصر الاحسائي، مع بقية الطلاب في البحرين والمنطقة الشرقية، ثم بعده السيد باقر الشخص، ولما عدنا للبحرين كانت علاقتي به تفرض نفسها بنفسها من جهة التعاون الديني للأخذ بالبلد إلى شاطئ الأمان، ولأداء الإنذار في الخط الذي أمر به أهل البيت ، والنصيحة للمجتمع، وأداء ما يجب من القيام بالوظيفة الشرعية، والتعاون الديني المحض، ولقد وجدته في ذلك كله مثابرا مجدا، وأول ما أراد به أن يأخذ بالبلد إلى ما هي أعلى مما هي فيه، وهو أن حاول إعادة كرسي البحث الفقهي المعبر عنه بالبحث الخارج، باعتبار بلوغه مرتبة الفقاهه، وقد حضر بحثه هذا ولدنا الشيخ ناصر وجملة من علماء البلد كالمرحوم السيد هاشم الطويل، ومن هذا المنطلق وجدت فيه الرجل الذي ينبغي أن يقدر له هذا المجهود والمسؤولية الذي يحملها على كاهله فاشتركت معه في بعض المواقف، وابتعدت عن الأخرى لأني لست ممن خاض مجالات السياسة، كما خاضها وداخلها هو باعتباره رجلا سياسيا محنكا، وقد سمعت ذلك من العلامة الشيخ إبراهيم المبارك واصفا إياه بالحنكة والفكر، ونسأل الله أن يعوضنا في ذريته.
وفي الختام تقدم فريق التحرير ببالغ الشكر والتقدير لسماحة العلامة الشيخ أحمد بن خلف آل عصفور على إعطائهم هذه الفرصة
 

محرك بحث الموقع


الأحد 9 جمادى الآخرة 1439هـ - 25 فبراير 2018م
فجر 4:46
شروق 6:05
ظهر 11:53
مغرب 5:51
 


Designed by:
Y.Tarradah