كلمة سماحة الشيخ في تأبين السيد العلوي 20/2/2007م
محمود طرادة | 2007-02-20

بسم الله جل جلاله .. وبه أستعين

عرفتُ هذا البيت العلوي في السنوات الأخيرة، لأني قضيت السنوات الأولى من حياتي في العراق، ورجعت البحرين بعد أن اجتزت الثلاثين من العمر وما فوق طلبا للدراسة في النجف الأشرف، وتعرفت على شخصية هذا السيد الجليل وهو المرحوم السيد موسى نجل السيد جعفر العلوي بعد ردح من الزمن، وقد ذكرت ذلك على منبر التأبين في حسينية القصاب التي في عاصمة البحرين، وهي تحمل اسم البيت العلوي، الذين قاموا بخدمة أهل البيت النبوي فيها خدمة جليلة وجزيلة، وقد سبق أن قرأت فيها أيام المحرم، ومرت علي التجارب عن طريق المجالس، وأصبحت الصحبة بعد العلم بما تحمله هذه العائلة بالخصوص من الكرم والتضحية والبذل والعطاء في كل ميادين الفضيلة، وهم الذين أسسوا في الزمن السابق الخانات التي يقصدها الزوار في طريق كربلاء والكوفة، وأوقفوا لها الأوقاف على نهر الفرات، وتركوا الولاية على الأسواق الموقوفة في النجف الأشرف بيد السادة آل كمونة المعروفين بخدمة الروضة الحيدرية، ومنها سوق القصابين القديمة، وهم الذين أقاموا الضيافة لجامع الكوفة في الخان المجاور لمسجد الكوفة الشهير بالزيارات، وبنوا الحجرات في نفس المسجد للزائرين والوافدين، وبقيت آثارهم إلى عهد الجمهورية التي تغلب فيها البعثيون، فهدموا بعض المباني المجاورة، وقد زرت الكوفة سنة 1370هـ مع العلامة المرحوم الشيخ محمد علي آل حميدان خطيب البحرين المشهور عندما زار العتبات المقدسة، وقرأ في الصحن الشريف أياما عديدة، وكان القارئ في المقدمة له الخطيب الشهير في العراق السيد جابر الآغائي، الذي زار البحرين في محرم وقرأ في مأتم البحرين ومنها مأتم آل زبر ومأتم الحاج حسن وحبيب المحمود ومسجد مؤمن ومأتم القصاب وغيرها من المجالس، وذهبت أنا بصحبة العلامة الشيخ محمد علي آل حميدان رحمه الله إلى مسجد الكوفة من أجل الزيارة، فلما دخلت المسجد استقبلني مع العلامة الشيخ جماعة من السدنة وهم خدام جامع الكوفة، وقالوا إن صاحب هذه العمامة الصفراء من آل العلوي في البحرين، قلت لهم: إنه من آل حميدان، فقالوا: تريد أن تخفي علينا هذا، قلت : هذا ليس من السادة العلويين في البحرين وإنما هو خطيب يرتدي هذه العمة الصفراء، فقالوا: لا نصدق ما تقول حتى تأتي بالدليل، قلت لهم: إن آل كمونة في النجف يعرفون الشخصيات البارزة في البحرين، وكذلك آل شمسة خدام الروضة الحيدرية فاسألوهم، فقالوا: إن السادة من  آل العلوي هم الذين شيدوا المباني في الكوفة والنجف الأشرف، فقلت: أولئك من تجار اللؤلؤ في البحرين، وبعض الخطباء البارزين يلبسون هذه العمائم الصفراء، والسادة العلويين الذين ذكرتموهم يلبسون هذه العمائم أيضا، بل ويلزمون ذرياتهم من أبنائهم وأحفادهم على لبس هذه العمائم منذ زمن بعيد.

 وهذه المجموعة من آل العلوي من العوائل المعروفة في تاريخ البحرين القديم، ولذلك فإن الحكومات المتعاقبة عاشت معها وتولت المناصب منها في أعلى الرتب، وآخر ما تولته عائلة العلوي الكريمة وزارة المالية التي هي أعلى الوزارات في الدولة، ويعتبرون الوجيه الكبير السيد محمود العلوي المربي القدير، والأمين الخبير، وظهر ذلك من معاملة الأسرة الكريمة آل خليفة من أول أيامهم حتى أيامنا، وقد سمعت ذلك من المغفور له صاحب السمو الشيخ عيسى آل خليفة وكذلك والده المغفور له صاحب العظمة الشيخ سلمان آل خليفة، وقد وجدتهم يسارعون في الخيرات.

ولما قطعنا معك -أيها القارئ- عن سيرة أسرة هذا الفقيد الراحل السيد موسى السيد جعفر العلوي ننتقل معك إلى الجانب العملي، وأول ما أبدأ بعميد هذه الأسرة وهو السيد أحمد العلوي، الذي بدأ حياته بالعمل النافع، وقد قيل في المثل المشهور (خير الناس من نفع الناس)، فقد تولى رئاسة دائرة الأوقاف الجعفرية التي حرص على تنظيمها، وكانوا في عصر ولايته يرجعون فيه إلى العلماء المعاصرين في البحرين من ذوي الكفاءة، وفي مقدمتهم الحجة الشيخ أحمد آل حرز الجدحفصي، والعلامة الحجة االشيخ خلف آل عصفور (الوالد)، مع من كان من العلماء البارزين كالعلامة السيد عدنان الموسوي، وهو أيضا من الفقهاء المشهورين، وهو الذي تولى بعد ذلك تنظيم دائرة الأوقاف الجعفرية بدفتره الموجود حاليا في مجلس الأوقاف الجعفرية، وهو مصدر مهم يعول عليه حتى الآن في محاكم البحرين الشرعية، لأنه المعرِّف الأول في الوجوه التي يصرف الوقف فيها من المآتم المنتشرة في البلاد والمساجد القديمة وغيرها من الوجوه، لأن الصرف في وجوه الوقف مشكلة الأوائل ومن يأتي بعدهم لأنه قل أن تجد سجلا فيه تفصيل هذه المطالب، ثم بعد ذلك تم اختيار مجلس للأوقاف ينظم رسميا بتعيين خاص من قبل المسؤولين كما هو الآن في عصرنا.

 أما دور المرحوم السيد موسى نجل السيد جعفر العلوي فقد تعددت فيه الجوانب التي بدأها بمكتب الهبات والعطايا لكل الوافدين من داخل البحرين وخارجها، وهذا هو الذي ظهر ظهورا بارزا، حيث تعود البذل في وجوه الخير والإحسان دون ملل ولا كلل، وكان رحمه الله لا يتوقف في بذل ما تجود به يداه، وقد زرته مع شخصيتين جليلتين من أهل العلم في منزله الواقع على شارع البديع في البستان الكبير، وهما يطلبون منه التبرع بأرض لمدرسة ثانوية لطلاب العلم، تبعا لجمعية إسلامية في الدراز، وإذا به يقول لنا إن هذه من أبرك الساعات والأوقات التي مرت في حياتي، حيث تطلبون مني هذه الوجوه الخيّرة كي أبني قصورا في الآخرة، ثم قام ودخل البيت عاجلا وأخرج الوثيقة وسلمها لي، وقال: سجلها لهم في المحاكم الشرعية الجعفرية، في نفس ذلك اليوم الذي ما غربت فيه شمسه، وكانت على الشارع الذي يوصل قرية المرخ بشارع البديع، وهي قطعة قد بلغت ثمنا جزيلا، ولا تزال حتى الآن من أغلى أثمان الهبات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مصداق الحديث الشريف الذي يقول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام فيه: (من أيقن بالخلف جاد بالعطية) فرحمة الله عليه.

وهذه الصفات ورثها لأبنائه الكرام حيث أصبحت لهم خصلة من أجمل الخصال التي يتصف بها الله جل جلاله في جزيل المواهب، فهو الكريم الذي لا يرد سائله ولا يخيب آمله، فرحمك الله يا أبا العلوي الذي كرس حياته في قضاء الحاجات وإغاثة الملهوفين، وكان حقا حاتم زمانه، وقد قيل في المثل المشهور (في الفرع ما في الأصل وزيادة)، وهاهم الذرية الصالحة التي هي الركن الثالث مما يخلفه الإنسان العارف بعد موته كما ورد في الحديث الشريف المشهور عند عموم المسلمين عنه صلى الله عليه وآل وسلم حيث قال: (ينقطع عمل ابن آدم بعد موته إلا من ثلاث: صدقة جارية -كما هي الآن من هذا السيد الجليل- وورقة علم نافع، وولد صالح يدعو له ويتصدق عنه)، وإن هذه الثلاث قد اجتمعت لهذا الفقيد العزيز صاحب المكارم والمعالي،

 فرحمك الله يا أبا العلويين الكرام، وأعطاك سبحانه وتعالى من جنانه أفسحها منزلا ومقرا، وأدام لأولادك من بعدك سيرتك الصالحة التي ورثوها منك، لأنك ربيتهم على العطاء وساروا على منهاجك، وهذا ثابت من سيرتهم، وقد بانت أعمالهم إلى جانب عملك النافع المثمر، فكم محتاج أغاثوه، وكم من مشروع أقاموه، وكم من مدرسة علمية وحوزة دينية قد بذلوا فيها، وكم من مؤسسة خيرية أقاموها وأسهموا فيها بأقوى الإسهامات العينية والخيرية بالتشييد، فهنيئا لك يا أبا العلوي بهذه الذرية الصالحة التي أدت ما عليها جنبا إلى جنب، في قضاء الحاجات وتلبية الطلبات.

نم قريرا في بيتك الجديد الذي بنيته، وشاركك فيه أبناؤك وأنت في قيد الحياة تراهم ويرونك مثلا عاليا وأبا عطوفا ومدرسا واعيا، فإذا دخلت إلى دور العبادة لا تبارح المكث فيها، بينما كثير من الناس وجدتهم يهربون منها في المشاهد المشرفة، عندما أصحبك في أسفارك، فقد عرفتك في سفرك، وعرفتك في عملك، وعرفتك في بيتك، وعرفتك من أفعالك وأعمالك.

 فالسلام عليك يوم ولدت ويوم توفيت ويوم تبعث حيا، وقد نقلك الله سبحانه إلى رضوانه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

المخلص أحمد الشيخ خلف آل عصفور

مستشار المجلي الأعلى للقضاء في مملكة البحرين

بتاريخ 2 صفر 1428هـ

 

 

محرك بحث الموقع


الأحد 9 جمادى الآخرة 1439هـ - 25 فبراير 2018م
فجر 4:46
شروق 6:05
ظهر 11:53
مغرب 5:51
 


Designed by:
Y.Tarradah