مجلة الحكمة - ديسمبر 2008م
المكتب | 2009-01-01

الرقم: 108-2008م

التّاريخ: 28/11/2008م

بسمه تعالى سماحة العلامة الكبير الشيخ أحمد العصفور حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

 السؤال الأول: متى بدأتم الخطابة الحسينية؟ وما هي أهدافكم لها؟

بدأتُ الخطابة الحسينيّة حوالى سنة 1364هـ، حيث التحقتُ بالشّيخ محمّد عليّ آل حميدان، وهو أشهر خطباء البحرين في عصره، وكنتُ أقتبس من فنونه وخبراته، وممن أخذتُ عنهم أيضًا السّيّد منصور الاحسائيّ والسّيّد عليّ آل سلمان.

وأما هدفي من الخطابة الحسينيّة فهي في المقام الأوّل التّشرّف بخدمة المنبر، الّذي هو مصدر العطاء، كما أنّه من أهم ميادين الإصلاح الإجتماعيّ.

السؤال الثاني: هل لكم أن تعطونا نبذة مختصرة عن تاريخكم الخطابي؟

كنتُ بادئ ذي بدء أقرأ الحديث المسمّى عند أهل البحرين بالفخريّ، وقد لاقيتُ الاستحسان من قبل البعض، منهم على سبيل المثال الملاّ عبد العزيز العاليّ رحمه الله، وكذلك لمّا هاجرتُ مع والدي كنتُ أقوم  بقراءة الزّيارة لجملة الوافدين والزّوّار للإمامين الكاظميين عليهما السّلام، ولاقيتُ الاستحسان منهم أيضًا ومن أهل الصّنعة، فقمتُ بتتبّع سيرة الخطابة من كبار خطباء البحرين آنذاك والاقتباس من فنونهم، ثمّ التزمتُ مع عمّي الشّيخ محمّد عليّ آل حميدان فكنتُ أقرأ له المقدّمة، وكان معي الملاّ محمّد جعفر العرب أيضًا، ثمّ تدرّجتُ شيئًا فشيئًا حتّى تشرّفتُ بالقراءة في جلّ بل كلّ قرى البحرين، ومناطق متعدّدة خارج البحرين، كدول الخليج العربيّ والنّجف الأشرف والبصرة والقصبة والفاو وعبّادان والمحمّرة ومشهد المقدّسة وكثير من مدن العراق وإيران، كما تشرّفتُ بقراءة مجالس حسينيّة يحضرها أهل العلم كآية الله العظمى السّيّد عبد الله الشّيرازيّ الّذي جثى على ركبتيه عند الأحذية من شدّة تأثّره بفاجعة الحسين عليه السّلام، وممّن تشرّفتُ بأنفاس حضوره المبارك أيضًا آية الله العظمى مرجع الطّائفة السّيّد محسن الحكيم والإمام الكبير الشّيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء الّذي كنتُ أسكن بجواره في النّجف الأشرف، وكذلك الحجّة الكبرى الشّيخ عيسى الخاقانيّ وآل الخاقانيّ كالشّيخ محمّد طاهر والشّيخ سلمان اللذين أحمل الإجازة عنهما وكذلك كاشف الغطاء.

وعشتُ أيّامي الخطابيّة مع فحول الخطابة الحسينيّة، وكانت تربطني بهم وشائج الأخوّة، حيث يشاركونني في الخطابة وأشاركهم كما هي العادة السّابقة، وممّن تشاركتُ معهم في الخطابة الخطيب الشّهير الشّيخ أحمد الوائلي الّذي دعوته للقراءة في مأتم بن سلوم والشّيخ عبد الزّهراء الكعبيّ، والسّيّد جابر الآغائيّ وغيرهم من أساطين الخطابة، وكنتُ شريكًا لهم في الأداء خلال شهر محرّم الحرام، وقد زاولت الخطابة مدّة 30 عامًا بين إيران والعراق ثمّ عدت إلى البحرين.

السؤال الثالث: ما هي أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الخطيب الحسيني؟

أبرز الصّفات الّتي يجب أن يتّصف بها الخطيب أولاً: الإخلاص والتّقوى، لأنّ النّيّة هي قوام الأعمال، بأن تكون نيّته التّضحية في سبيل أهل البيت عليهم السّلام، ورغبة في رضاهم وطمعًا في خدمتهم، لا طمعًا في المادّيّات، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحسّان بن ثابت: ما زلتَ مؤيّدًا بروح القدس ما دمت معنا..  وثانيا: الحاءات الثّلاث: الحفظ والحسّ والحظّ.

السؤال الرابع: ما هي آثار المنبر الحسيني على المجتمع وتربيته إسلاميا؟

يمكن الاستفادة من موقف الإمام السّجّاد عليه السّلام من خطابه في مجلس يزيد حينما استأذن يزيد قائلاً: "ائذن لي يا يزيد أن أصعد هذه الأعواد لأقول كلمة لله فيها رضًا، وللأمّة فيها خير وصلاح"، وهذه الكلمة واضحة الدّلالة على أنّ المنبر الحسينيّ يودي بالأمّة إلى الخير والصّلاح عبر الخطابة المستقيمة، أما إذا فقد المنبر المقوّمات الأساسيّة الّتي رسمها ووضع قواعدها الإمام المعصوم عليه السّلام فقد أصبحت لغوًا من القول وبعدًا عن الحقيقة.

السؤال الخامس: ما هي أبرز الدروس المستفادة من ثورة الامام الحسين(ع)؟

ملخّص الدّروس المستفادة من نهضة الإمام الحسين عليه السّلام هو قوله: "إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

السؤال السادس: ما هي فلسفة البكاء ولطم الصدور على الإمام الحسين(ع)؟

أودّ أوّلاً أن أؤكّد على قضيّة مهمّة وهي أنّ غياب الفلسفة لا يعني عدم شرعيّة العمل، فما دام البكاء ثابت في شريعة السّماء عن طريق الأنبياء، فيعقوب بكى على ابنه، وشعيب بكى أيضًا، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) بكى على ابنه إبراهيم، وقال كلمته المشهورة "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرّبّ" فالبكاء فعل الرّسالة السّماويّة من لدن آدم عليه السّلام حتّى الخاتم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، البكاء نفسه لم يتغيّر ولم يتبدّل، فهو سنّة نبويّة من سنن السّماء نزلت على الأنبياء فأمروا بها وحثّوا عليها، وكذلك الإمام المعصوم عليه السّلام تجد للشّاعر مكانة في نفس الإمام، لأنّ لكلّ إمام معصوم منهم بوّابًا وشاعرًا ووكيلاً من الوكلاء، فسواء علمنا فلسفته أم لم نعلم فهو ثابت بالأدلّة السّمعيّة المتواترة لدى الفرق الإسلاميّة، ولم يختلف فيها مسلم من الطّائفتين الكريمتين.

ويمكن تحديد بعض ملامح الفلسفة من البكاء بقولنا أنّه تعبير واقعيّ ورمز من رموز المحبّة والمودّة للإمام المعصوم عليه السّلام، وهو تعبير عن عظمة مقامه وشأنه في النّفوس أمام الرّأي العامّ، ووسيلة لتربية النّفس البشريّة وتهذيبها، وهو نوع من أنواع المواساة لأهل البيت عليهم السّلام كما دلّت على ذلك الأخبار المعصوميّة، وهو من أهمّ الوسائل المؤثّرة لنشر المظلوميّة في التّاريخ.

السؤال السابع: ما هو سر تخوف أعداء الإسلام وأعداء أهل البيت(ع) من إحياء شعائرالإمام الحسين(ع)، وسعيهم الدائم وبكل الوسائل للحيلولة دون إقامتها؟

السّرّ في ذلك هو أنّ إحياء الشّعائر وسيلة لنشر المظلوميّة وفضح المجرمين كما قلنا، وهذا يؤدّي إلى شحذ الهمم من أجل التّغيير، وهو ما لا يرتضيه بعض المسلمين، كما أنّ  الشّعائر الحسينيّة مدعاة للوحدة من خلال المشاركة الجماهيريّة وهذا أيضًا مما لا يرتضيه بعض المسلمين أيضًا.

السؤال الثامن: كيف تُقيِّمون وضع المنبر الحسيني في البحرين؟ وما هي أهم ملاحظاتكم عليه؟

لقد ادّعى كثيرون بأنّ الشّعائر الحسينيّة بشكل عامّ والمنبر الحسينيّ بصورة خاصّة تحتاج إلى تطوير، إلا أنّهم اختلفوا في التّفسير لمعنى التّطوير، وبعضهم قد رام بهذه الكلمة التّزييف والتزوير، فأخرج الشّعائر عن الخطّ الحسينيّ الأصيل، كتسييس المواكب العزائيّة مثلاً.

أما أنا فأجد التّطوير في الالتحاق بركب أهل البيت عليهم السّلام وإعادة الشّعائر إلى الخطّ الحسينيّ، ولذلك ترى -بالأمس- الخطيب المخلص بمجرّد أن يقول (يا حسين) انهمرت الدّموع، حتّى بلغ الحال بخطباء منابر الجمعة في الأيّام الأولى يصعد الخطيب منهم بمجرّد أن يقرأ آخر الخطبة بيتًا من أبيات دعبل الخزاعي رضوان الله عليه وعلى ومن حوله من الشّعراء يموج الجامع كما تموج السّفينة في البحر، فالعيب في التطوير المزعم الذي يبتغيه الآخرون في عصورنا، حيث جهلوا الحقائق وخالفوا الطرائق، لقد كان المنبر في السابق تجتمع حوله الشيعة والسّنة ولو كان اليوم كالأمس لسجّلنا لهم ذلك وأسمعناهم أنّ السّنة في البحرين وغيرها تبكي الحسين عليه السّلام كالشّيعة، هكذا كان المنبر مؤثّرًا على الصعيدين النّفسيّ والعمليّ، فالعيب -إذن- ليس في السّفينة وإنّما العيب في الربّان الّذي يقود السفينة إلى شاطئ الأمان.

السؤال التاسع: المواكب العزائية من أهم الوسائل الإعلامية للتوعية الدينية والتعرف بأهل البيت(ع)، كما أنها من وسائل التوعية الإجتماعية،كيف ترون وتشرحون ذلك؟

الشّعائر الحسينيّة بشكل عامّ تسهم في نشر سيرة وتاريخ وعلوم وفضائل أهل البيت عليهم السّلام والصّحابة والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين وبيان مقامهم ومنزلتهم، وتشدّ التّرابط العاطفي والولائيّ مع أهل البيت عليهم السّلام، وهي من وسائل التّربية والتّوعية والتّثقيف من أجل بناء أساس فطريّ عقائديّ متين، وتسهم الشّعائر في ترسيخ القيم والمبادئ السّامية كالتّضحية والإيثار والمواساة ونصرة الحق وغيرها، ونبذ الصّفات المذمومة كالظّلم وقسوة القلب، كما أنّها ولا سيّما المواكب العزائيّة وسيلة إعلاميّة عالميّة تخاطب كلّ البشر بغضّ النّظر عن تبايناتهم واختلافاتهم وأعراقهم، كما حدث ذلك في بلدان أوربّا من الغربيّين وغيرهم.

السؤال العاشر: كيف ترون ألحان موكب العزاء الحالية؟

أحيلكم على فقهائنا العظام، هم أولى بالإجابة.

السؤال الحادي عشر: وكيف تقيمون مسألةُ تواجد النساء لمشاهدة مواكب العزاء؟

هذا السّوال أيضًا يوجّه بالدّرجة الأولى للمراجع العظام، فإذا وجدوا أنّ خروج المرأة لا بأس به في مثل بلدنا -الّذي اختلط فيه الحابل بالنّابل والصّحيح بالسّقيم- فذاك من شؤونهم دامت بركاتهم.

السؤال الثاني عشر: ما هو سر خلود وبقاء عاشوراءالى يومنا الحاضر؟

السّرّ هو أنّ ما بناه الدّين لا تهدمه الدّنيا، وعاشوراء بنتها الرّسالة قبل أن يولد الإمام الحسين عليه السّلام وفي اليوم الّذي وُلد فيه وبعد ولادته وبعد مصرعه وسوف تبقى إن شاء الله ما بقي الدّهر، وهذا إخبار الإمام المعصوم عليه السّلام في الزّيارة (السّلام على صريع الدّمعة السّاكبة والمصيبة الرّاتبة)، وإخبار المعصومة الصّغرى زينب الكبرى عليها السّلام عندما قالت: (وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضّلال في محوه وتطميسه، فلا يزداد الا علّوًا) وقولها في مجلس آل أميّة في خطبتها المشهورة: (فاسعِ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لن تمحوا ذكرنا، ولا تميت وحينا، وما أيّامك إلا عدد، وما قولك إلا قولك إلا فند)، وقد أنشد المنشد قائلاً: كذب الموت فالحسين مخلّد.. كلّما أخلق الزّمان تجدّد.

شاكرين تعاونكم معنا وإفادتنا بأجوبتكم النافعة،متمنين لكم دوام التوفيق والتسديد. والحمد لله رب العالمين مجلة الحكمة_ قسم المقابلات

 

 

محرك بحث الموقع


الأحد 9 جمادى الآخرة 1439هـ - 25 فبراير 2018م
فجر 4:46
شروق 6:05
ظهر 11:53
مغرب 5:51
 


Designed by:
Y.Tarradah